بسم الله الرحمان الرحيم
تـنـبـيـه
... متوقف عن الكتابة يوم الجمعة 05 ربيع الأول 1431
الموافق 19 فبراير 2010
شبكة فرسان المغرب الإسلامي
كمال أبوري
Abouri Kamal
abourikamal@gmail.com
abouri_kamal@hotmail.com
والسلام عليكم
مقتطف من كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الالباني
الموضوع مهم جدا وقد يكون
نقلة في فهمك وحياتك
ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة ؛ كان من
البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين ؛ للسبب الذي مرَّ ذكرُه ، وإنما أُورد فيه ما ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما هو مذهب المحدِّثين (1) قديماً وحديثاً (2) - ، وقد أحسن من قال :
__________
(1) قال أبو الحسنات اللكنوي في " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام "
(ص 156) ما نصه :
" ومن نظر بنظر الإنصاف ، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنباً الاعتساف ؛ يعلم علماً
يقينياً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها ؛ فمذهب المحدِّثين فيها أقوى
من مذاهب غيرهم ، وإني كلما أسير في شُعَب الاختلاف ؛ أجد قول المحدِّثين فيه قريباً من
الإنصاف ، فلله دَرُّهم ، وعليه شكرهم - كذا الأصل - ، كيف لا ؛ وهم ورثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقاً ، ونواب شرعه صدقاً ؟! حشرنا الله في زمرتهم ، وأماتنا على حبهم وسيرتهم " .
(2) قال السبكي في " الفتاوى " (1/148) :
" وبعد ؛ فإن أهم أمور المسلمين الصلاة ، يجب على كل مسلم الاهتمام بها ، والمحافظة على
أدائها ، وإقامة شعائرها ، وفيها أمور مُجْمَعٌ عليها ؛ لا مندوحة عن الإتيان بها ، وأمور اختلف
العلماء في وجوبها ، وطريق الرشاد في ذلك أمران : إما أن يتحرى الخروج من الخلاف إن
أمكن ، وإما ينظر ما صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فيتمسك به ، فإذا فعل ذلك ؛ كانت صلاته صواباً صالحة داخلة في قوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا } .
قلت : والوجه الثاني أولى ؛ بل هو الواجب ؛ لأن الوجه الأول - مع عدم إمكانه في كثير
من المسائل - لا يتحقق به أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ؛ لأنه في هذه الحالة ستكون صلاته - حتماً - على خلاف صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فتأمل
.
(1/21)
أهلُ الحديث
هُمُ أهلُ النبيّ وإنْ ... لم يَصْحبوا نَفْسَهُ أنفاسَهُ صَحِبوا (1) ولذلك فإن الكتاب سيكون - إن شاء الله تعالى - جامعاً لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه - على اختلاف المذاهب مما له علاقة
بموضوعه - ، بينما لا يجمع ما فيه من الحق أيُّ كتاب أو مذهب ، وسيكون العامل به – إن شاء الله - ممن قد هداه الله { لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة : 213] . ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي - وهو التمسك بالسنة الصحيحة - ، وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره - مما سوف ينتشر
بين الناس إن شاء الله تعالى - ؛ كنت على علم أنه سوف لا يُرْضِي ذلك كلَّ الطوائف والمذاهب ، بل سوف يوجه بعضهم - أو كثير منهم - ألسنة الطعن ، وأقلام اللوم إليَّ ، ولا بأس من ذلك عليَّ ؛ فإني أعلم
أيضاً أن إرضاء الناس غاية لا تدرك ، وأن : " من أرضى الناس بسخط الله ؛ وكَلَه الله إلى الناس " ؛ كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2)
ولله دَرُّ من قال :
ولست بناجٍ من مقالةِ طاعِنٍ ... ولو كنتُ في غارٍ على جبلٍ وعرِ
ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً ... ولو غابَ عنهم بين خافِيَتَي نسرِ (3)
__________
(1) من إنشاد الحسن بن محمد النَّسَوي ؛ كما رواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء
له في " فضل الحديث وأهله " .
(2) [ أخرجه ] الترمذي ، والقُضَاعي ، وابن بِشْران وغيرهم . وقد تكلمت على الحديث
وطرقه في تخريج أحاديث " شرح العقيدة الطحاوية " ، ثم في " الصحيحة " (2311) ، وبينت أنه
لا يضره وقف من أوقفه ، وأنه صححه ابن حبان .
(3) الخوافي : ريشات إذا ضم الطائر جناحيه ؛ خفيت ، وتكون وراء القوادم .
(1/22)
فحسبي أنني
معتقد إن ذلك هو الطريق الأقوم ، الذي أمر الله تعالى به المؤمنين ، وبيَّنه نبينا محمد سيد المرسلين ، وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي
اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين - ، وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة ، والرجوع إليها ، وترك كل قول يخالفها ، مهما كان القائل عظيماً ؛ فإن شأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم ، وسبيله
أقوم . ولذلك فإني اقتديت بهداهم ، واقتفيت آثارهم ، وتبعت أوامرهم
بالتمسك بالحديث ؛ وإن خالف أقوالهم ، ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم ، وإعراضي عن التقليد الأعمى . فجزاهم الله تعالى عني خيراً .
أقوال الأئمة في اتِّباعِ السُّنَّةِ وتَركِ أقوالِهم المخالفَةِ لَها ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها ، لعلَّ فيها عظةً وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات - تقليداً أعمى
(1) ، ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم ؛ كما لو كانت نزلت من السماء ، والله عزَّ وجلَّ يقول : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ
أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف : 3] .
1- أبو حَنِيفة رحمه الله :
فأولهم الإمام
أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله ، وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى ، وعبارات متنوعة ؛ كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو : وجوب الأخذ بالحديث ، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له :
__________
(1) وهذا التقليد هو الذي عناه الإمام الطحاوي حين قال :
" لا يقلد إلا عصبي أو غبي " . نقله ابن عابدين في " رسم المفتي " (ص 32 ج 1) من
" مجموعة رسائله " .
(1/23)
1- "
إذا صح الحديث ؛ فهو مذهبي " (1) .
2- " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ؛ ما لم يعلم من أين أخذناه " (2) .
وفي رواية : " حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي " .
__________
(1) ابن عابدين في " الحاشية " (1/63) وفي رسالته " رسم المفتي " (1/4 من مجموعة
رسائل ابن عابدين) ، والشيخ صالح الفُلاني في " إيقاظ الهمم " (ص 62) وغيرهم ، ونقل ابن
عابدين عن " شرح الهداية " لابن الشَّحْنَة الكبير- شيخ ابن الهُمَام - ما نصه :
" إذا صح الحديث ، وكان على خلاف المذهب ؛ عُمِل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه ، ولا
يخرج مقلده عن كونه حنفيّاً بالعمل به ؛ فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال :
إذا صح الحديث ؛ فهو مذهبي . وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة ،
وغيره من الأئمة " .
قلت : وهذا من كمال علمهم وتقواهم ؛ حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا بالسنة
كلها - وقد صرح بذلك الإمام الشافعي ؛ كما يأتي - ؛ فقد يقع منهم ما يخالف السنة التي لم
تبلغهم ؛ فأمرونا بالتمسك بها ، وأن نجعلها من مذهبهم رحمهم الله تعالى أجمعين .
(2) ابن عبد البر في " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء " (ص 145) ، وابن القيم
في " إعلام الموقعين " (2/309) ، وابن عابدين في " حاشيته " على " البحر الرائق " (6/293)
وفي " رسم المفتي " (ص 29 و 32) ، والشعراني في " الميزان " (1/55) بالرواية الثانية ، والرواية
الثالثة رواها عباس الدوري في " التاريخ " لابن معين (6/77/1) بسند صحيح عن زُفَر ، وورد
نحوه عن أصحابه : زُفَر ، وأبي يوسف ، وعافية بن يزيد - كما في " الإيقاظ " (ص 52) - ، وجزم
ابن القيم (2/344) بصحته عن أبي يوسف ، والزيادة في التعليق على " الإيقاظ " (ص 65)
نقلاً عن ابن عبد البر ، وابن القيم وغيرهما .
قلت : فإذا كان هذا قولهم فيمن لم يَعلم دليلَهم ؛ فليت شعري ! ماذا يقولون فيمن علم أن =
(1/24)
زاد في رواية :
" فإننا بَشَر ؛ نقول القول اليوم ، ونرجع عنه غداً " .
وفي أخرى : " ويحك يا يعقوب ! - وهو أبو يوسف - لا تكتب كل ما تسمع مني ؛ فإني قد أرى الرأي اليوم ، وأتركه غداً ، وأرى الرأي غداً ، وأتركه بعد غد " (1) .
__________
= الدليل خلاف قولهم ، ثم أفتى بخلاف الدليل ؟! فتأمل في هذه الكلمة ؛ فإنها وحدها كافية
في تحطيم التقليد الأعمى ؛ ولذلك أنكر بعض المقلدة من المشايخ نسبتها إلى أبي حنيفة ؛
حين أنكرتُ عليه إفتاءه بقولٍ لأبي حنيفة لم يعرف دليله !
(1) قلت : وذلك لأن الإمام كثيراً ما يبني قوله على القياس ، فيبدو له قياس أقوى ، أو
يبلغه حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فيأخذ به ، ويترك قوله السابق . قال الشعراني في " الميزان "
(1/62) ما مختصره :
" واعتقادنا واعتقاد كل منصف في الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ؛ أنه لو عاش حتى
دُوِّنَت الشريعة ، وبعد رحيل الحفاظ في جَمْعِها من البلاد والثغور ، وظفر بها ؛ لأخذ بها ، وترك
كل قياس كان قاسه ، وكان القياس قلَّ في مذهبه ، كما قل في مذهب غيره بالنسبة إليه ،
لكن لما كانت أدلة الشريعة مفرقة في عصره مع التابعين وتابعي التابعين في المدائن والقرى
والثغور ؛ كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من الأئمة ضرورةً ؛ لعدم وجود النص في
تلك المسائل التي قاس فيها ؛ بخلاف غيره من الأئمة ؛ فإن الحفاظ كانوا قد رحلوا في طلب
الأحاديث وجمعها في عصرهم من المدائن والقرى ، ودوّنوها ؛ فجاوبت أحاديث الشريعة
بعضها بعضاً ، فهذا كان سبب كثرة القياس في مذهبه ، وقلته في مذاهب غيره " .
ونقل القسم الأكبر منه أبو الحسنات في " النافع الكبير" (ص 135) ، وعلق عليه بما يؤيده
ويوضحه . فليراجعه من شاء .
قلت : فإذا كان هذا عذر أبي حنيفة فيما وقع منه من المخالفة للأحاديث الصحيحة دون
قصد - وهو عذر مقبول قطعاً ؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها - ؛ فلا يجوز الطعن =
(1/25)
3- " إذا قلتُ قولاً يخالف
كتاب الله تعالى ، وخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فاتركوا
قولي " (1) .
2- مالك بن أنس رحمه الله :
وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله ؛ فقال :
1- " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي ؛ فكل ما وافق الكتاب
__________
= فيه - كما قد يفعل بعض الجهلة - ، بل يجب التأدب معه ؛ لأنه إمام من أئمة المسلمين
الذين بهم حُفِظ هذا الدين ، ووصل إلينا ما وصل من فروعه ، وأنه مأجور على كل حال ؛
أصاب أم أخطأ ، كما أنه لا يجوز لمعظِّميه أن يظلوا متمسكين بأقواله المخالفة للأحاديث ؛ لأنها
ليست من مذهبه - كما رأيت نصوصه في ذلك - ، فهؤلاء في واد ، وأولئك في واد ، والحق بين
هؤلاء وهؤلاء ، { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } .
(1) الفلاني في " الإيقاظ " (ص 50) ، ونسبه للإمام محمد أيضاً ، ثم قال :
" هذا ونحوه ليس في حق المجتهد ؛ لعدم احتياجه في ذلك إلى قولهم ؛ بل هو في حق المقلد " .
قلت : وبناءً على هذا قال الشعراني في " الميزان " (1/26) :
" فإن قلت : فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي ، ولم يأخذ بها ؟
فالجواب : الذي ينبغي لك : أن تعمل بها ؛ فإن إمامك لو ظفر بها ، وصحت عنده ؛ لربما كان
أَمَرَك بها ؛ فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة ، ومن فعل ذلك ؛ فقد حاز الخير بكلتا يديه ،
ومن قال : (لا أعمل بحديث إلا إن أخذ به إمامي) ؛ فاته خير كثير ؛ كما عليه كثير من
المقلدين لأئمة المذاهب ، وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم ؛ تنفيذاً لوصية
الأئمة ؛ فان اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا ، وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم ؛
لأخذوا بها ، وعملوا بما فيها ، وتركوا كلَّ قياس كانوا قاسوه ، وكلَّ قول كانوا قالوه " .
(1/26)
والسنة ؛ فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة ؛ فاتركوه " (1) .
2- " ليس أحد - بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا
ويؤخذ من قوله ويترك ؛ إلا
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (2) .
3- قال ابن وهب :
سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ؟ فقال : " ليس ذلك على الناس " .
قال : فتركته حتى خفَّ الناس ، فقلت له : عندنا في ذلك سنة . فقال : وما هي ؟ " .
قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن المستورد بن شداد القرشي قال :
__________
(1) ابن عبد البر في " الجامع " (2/32) ، وعنه ابن حزم في " أصول الأحكام " (6/149) ،
وكذا الفلاني (ص 72) .
(2) نسبةُ هذا إلى مالك هو المشهور عند المتأخرين ، وصححه عنه ابن عبد الهادي في
" إرشاد السالك " (227/1) ، وقد رواه ابن عبد البر في " الجامع " (2/91) ، وابن حزم في
" أصول الأحكام " (6/145 و 179) من قول الحكم بن عُتَيبة ومجاهد ، وأورده تقي الدين
السبكي في " الفتاوى " (1/148) من قول ابن عباس - متعجباً من حسنه - ، ثم قال :
" وأخذ هذه الكلمة من ابن عباسٍ مجاهدٌ ، وأخذها منهما مالك رضي الله عنه ،
واشتهرت عنه " .
قلت : ثم أخذها عنهم الإمام أحمد ؛ فقد قال أبو داود في " مسائل الإمام أحمد "
(ص 276) :
" سمعت أحمد يقول : ليس أحد إلا ويؤخذ من رأيه ويترك ؛ ما خلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
(1/27)
رأيت رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه . فقال :
" إن هذا الحديث حسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة " .
ثم سمعته بعد ذلك يُسأل ، فيأمر بتخليل الأصابع (1) .
3- الشافعي رحمه الله :
وأما الإمام الشافعي رحمه الله ؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب (2) ،
وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد ؛ فمنها :
1- " ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وتعزُبُ عنه ،
فمهما قلتُ من قول ، أو أصّلت من أصل ، فيه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلاف ما
قلت ؛ فالقول ما قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو قولي " (3) .
2- " أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لم
يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد " (4) .
__________
(1) مقدمة " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (ص 31 - 32) ، ورواها تامة البيهقي في
" السنن " (1/81) .
(2) قال ابن حزم (6/118) :
" إن الفقهاء الذين قُلِّدوا مبطلون للتقليد ، وإنهم نهوا أصحابهم عن تقليدهم ، وكان
أشدهم في ذلك الشافعي ؛ فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار ، والأخذ بما
أوجبته الحجة ، حيث لم يبلغ غيره ، وتبرَّأ من أن يُقَلَّدَ جملة ، وأعلن بذلك ، نفع الله به ،
وأعظم أجره ؛ فلقد كان سبباً إلى خير كثير " .
(3) رواه الحاكم بسنده المتصل إلى الشافعي ؛ كما في " تاريخ دمشق " لابن عساكر
(15/1/3) ، و " إعلام الموقعين " (2/363 و 364) ، و " الإيقاظ " (ص 100) .
(4) ابن القيم (2/361) ، والفلاني (ص 68) .
(1/28)
3- " إذا وجدتم في كتابي
خلاف سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فقولوا بسنة رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَعُوا ما قلت " .
وفي رواية : " فاتبعوها ، ولا تلتفتوا إلى قول أحد " (1) .
4- " إذا صح الحديث ؛ فهو مذهبي " (2) .
__________
(1) الهروي في " ذم الكلام " (3/47/1) ، والخطيب في " الاحتجاج بالشافعي " (8/2) ،
وابن عساكر (15/9/1) ، والنووي في " المجموع " (1/63) ، وابن القيم (2/361) ، والفلاني (ص 100) .
والرواية الأخرى لأبي نعيم في " الحلية " (9/107) ، وابن حبان في " صحيحه "
(3/284 - الإحسان) بسنده الصحيح عنه نحوه .
(2) النووي في المصدر السابق ، والشعراني (1/57) ، وعزاه للحاكم ، والبيهقي ،
والفلاني (ص 107) ، وقال الشعراني :
" قال ابن حزم : أي : صح عنده ، أو عند غيره من الأئمة " .
قلت : وقوله الآتي عقب هذا صريح في هذا المعنى ، قال النووي رحمه الله ما مختصره :
" وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب ، واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض
وغيرهما مما هو معروف في كتب المذهب ، وممن حُكي عنه أنه أفتى بالحديث من أصحابنا :
أبو يعقوب البُويطي ، وأبو القاسم الدَّارَكي ، وممن استعمله من أصحابنا المحدثين : الإمام أبو بكر
البيهقي وآخرون ، وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ، ومذهب
الشافعي خلافه ؛ عملوا بالحديث ، وأفتوا به قائلين :
مذهب الشافعي ما وافق الحديث .
قال الشيخ أبو عمرو :
فمن وجد من الشافعية حديثاً يخالف مذهبه ؛ نظر : إن كملت آلات الاجتهاد فيه
مطلقاً - أو في ذلك الباب ، أو المسألة - ؛ كان له الاستقلال بالعمل به ، وإن لم تكمل - وشَقَّ
عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفه عنه جواباً شافياً - ؛ فله العمل به ، إن =
(1/29)
5- " أنتم أعلم بالحديث
والرجال مني ، فإذا كان الحديث الصحيح ؛
فَأَعْلِموني به - أي شيء يكون : كوفيّاً ، أو بصرياً ، أو شامياً - ؛ حتى أذهب إليه
إذا كان صحيحاً " .
__________
= كان عَمِل به إمام مستقل غير الشافعي ، ويكون هذا عذراً له في ترك مذهب إمامه هنا .
وهذا الذي قاله حسن متعين . والله أعلم " .
قلت : هناك صورة أخرى لم يتعرض لذكرها ابن الصلاح ، وهي فيما إذا لم يجد من
عمل بالحديث ؛ فماذا يصنع ؟ أجاب عن هذا تقي الدين السبكي في رسالة " معنى قول
الشافعي ... إذا صح الحديث ... " (ص 102 ج 3) ؛ فقال :
" والأولى عندي اتباع الحديث ، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد سمع
ذلك منه ؛ أيسعه التأخر عن العمل به ؟ لا والله ! ... وكل واحد مكلف بحسب فهمه " .
وتمام هذا البحث وتحقيقه تجده في " إعلام الموقعين " (2/302 و 370) ، وكتاب الفلاني
المسمى " إيقاظ همم أولي الأبصار ، للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار ، وتحذيرهم عن
الابتداع الشائع في القرى والأمصار ، من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء
الأعصار " ، وهو كتاب فَذّ في بابه ، يجب على كل محبٍّ للحق أن يدرسه دراسة تفهم وتدبر .
(1) الخطاب للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله . رواه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي "
(ص 94 - 95) ، وأبو نعيم في " الحلية " (9/106) ، والخطيب في " الاحتجاج بالشافعي "
(8/1) ، وعنه ابن عساكر (15/9/1) ، وابن عبد البر في " الانتقاء " (ص 75) ، وابن الجوزي
في " مناقب الإمام أحمد " (ص 499) ، والهروي (2/47/2) من ثلاثة طرق عن عبد الله بن
أحمد بن حنبل عن أبيه : أن الشافعي قال له : ... فهو صحيح عنه ؛ ولذلك جزم بنسبته
إليه ابن القيم في " الإعلام " (2/325) ، والفلاني في " الإيقاظ " (ص 152) ، ثم قال :
" قال البيهقي : ولهذا كَثُر أخذه - يعني : الشافعي - بالحديث ، وهو أنه جمع علم أهل
الحجاز ، والشام ، واليمن ، والعراق ، وأخذ بجميع ما صح عنده من غير محاباة منه ، ولا ميل
إلى ما استحلاه من مذهب أهل بلده ؛ مهما بان له الحق في غيره ، وفيمن كان قبله من =
(1/30)
6- " كل مسألة صح فيها
الخبر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند أهل النقل
بخلاف ما قلت ؛ فأنا راجع عنها في حياتي ، وبعد موتي " (1) .
7- " إذا رأيتموني أقول قولاً ، وقد صحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلافُه ؛ فاعلموا أن
عقلي قد ذهب " (2) .
8- " كل ما قلت ؛ فكان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلاف قولي مما يصح ؛ فحديث
النبي أولى ، فلا تقلدوني " (3) .
9- " كل حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فهو قولي ، وإن لم تسمعوه مني " (4) .
4- أحمد بن حنبل رحمه الله :
وأما الإمام
أحمد ؛ فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها ، حتى " كان
يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي " (5) ؛ ولذلك قال :
__________
= اقتصر على ما عهده من مذهب أهل بلده ، ولم يجتهد في معرفة صحة ما خالفه ، والله
يغفر لنا ولهم " .
(1) أبو نعيم في " الحلية " (9/107) ، والهروي (1/47) ، وابن القيم في " إعلام
الموقعين " (2/363) ، والفلاني (ص 104) .
(2) رواه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي " (ص 93) ، وأبو القاسم السمرقندي في
" الأمالي " - كما في " المنتقى منها " لأبي حفص المؤدب (1/234) - ، وأبو نعيم في " الحلية "
(9/106) ، وابن عساكر (15/10/1) بسند صحيح .
(3) ابن أبي حاتم (ص 93) ، وأبو نعيم ، وابن عساكر (15/9/2) بسند صحيح .
(4) ابن أبي حاتم (ص 93 - 94) .
(5) ابن الجوزي في " المناقب " (ص 192) .
(1/31)
1- " لا تقلدني ، ولا تقلد مالكاً ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، خذ من حيث أخذوا " (1) . وفي رواية :
" لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ، ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ؛ فَخُذ
به ، ثم التابعين بَعْدُ ؛ الرجلُ فيه مخيَّر " . وقال مرة :
" الاتِّباع : أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وعن أصحابه ، ثم هو من
بعد التابعين مخيّر " (2) .
2- " رأي الأوزاعي ، ورأي مالك ، ورأي أبي حنيفة ؛ كله رأي ، وهو
عندي سواء ، وإنما الحجة في الآثار" (3) .
3- " من رد حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فهو على شفا هَلَكة " (4) .
تلك
هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك
بالحديث ، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة ، وهي من الوضوح والبيان بحيث
لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً .
وعليه ؛ فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ، ولو خالف بعض أقوال الأئمة ؛
لا يكون مبايناً لمذهبهم ، ولا خارجاً عن طريقتهم ؛ بل هو متبع لهم جميعاً ،
ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة
لمجرد مخالفتها لقولهم ؛ بل هو بذلك عاصٍ لهم ، ومخالف لأقوالهم المتقدمة ، والله
تعالى يقول : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
__________
(1) الفلاني (113) ، وابن القيم في " الإعلام " (2/302) .
(2) أبو داود في " مسائل الإمام أحمد " (ص 276 و 277) .
(3) ابن عبد البر في " الجامع " (2/149) .
(4) ابن الجوزي (ص 182) .
(1/32)
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء : 65] ، وقال : {
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور : 63] .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى :
" فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعرفه ؛ أن يبينه للأمة ،
وينصح لهم ، ويأمرهم باتباع أمره ، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة ؛ فإن
أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحق أن يُعَظَّم ويُقتدى به من رأي أي مُعَظَّم قد خالف أمره
في بعض الأشياء خطأً ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف
سنة صحيحة ، وربما أغلظوا في الرد (1) ، لا بغضاً له ؛ بل هو محبوب عندهم
مُعَظَّم في نفوسهم ، لكن رسول الله أحب إليهم ، وأمره فوق أمر كل مخلوق ،
فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره ؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع ، ولا يمنع
__________
(1) قلت : حتى ولو على آبائهم وعلمائهم ؛ كما روى الطحاوي في " شرح معاني الآثار "
(1/372) ، وأبو يعلى في " مسنده " (3/1317 - مصورة الكتب) بإسناد جيد رجاله ثقات
عن سالم بن عبد الله بن عمر قال :
" إني لجالس مع ابن عمر رضي الله عنه في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام ، فسأله
عن التمتع بالعمرة إلى الحج ؟ فقال ابن عمر :
حسن جميل . فقال : فإن أباك كان ينهى عن ذلك ؟ فقال :
ويلك ! فإن كان أبي قد نهى عن ذلك ، وقد فعله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأمر به ؛ فبقول أبي تأخذ ، أم بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟! قال : بأمر رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فقال : فقم عني " .
وروى أحمد (رقم 5700) نحوه ، والترمذي (2/82 - بشرح التحفة) وصححه .
وروى ابن عساكر (7/51/1) عن ابن أبي ذئب قال : =
(1/33)
من ذلك تعظيم من
خالف أمره ، وإن كان مغفوراً له (1) ، بل ذلك المُخَالَف
المغفور له لا يكره أن يخالف أمره ؛ إذا ظهر أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخلافه " (2) .
قلت : كيف يكرهون ذلك ؛ وقد أمروا به أتباعهم - كما مر - ، وأوجبوا عليهم
أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة ؟! بل إن الشافعي رحمه الله أمر أصحابه أن
ينسبوا السنة الصحيحة إليه ، ولو لم يأخذ بها ، أو أخذ بخلافها ؛ ولذلك لما جمع
المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة
الأربعة الحديث الصحيح فيها - انفراداً ، واجتماعاً - في مجلد ضخم ؛ قال في أوله :
" إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام ، وإنه يجب على
الفقهاء المقلدين لهم معرفتها ؛ لئلا يعزوها إليهم ؛ فيكذبوا عليهم " (3) .
__________
= قضى سعد بن إبراهيم (يعني : ابن عبد الرحمن بن عوف) على رجل برأي ربيعة بن
أبي عبد الرحمن ، فأخبرته عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخلاف ما قضى به ، فقال سعد لربيعة :
هذا ابن أبي ذئب - وهو عندي ثقة - يحدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخلاف ما قضيت به . فقال
له ربيعة : قد اجتهدت ، ومضى حكمك . فقال سعد :
واعجباً ! أُنَفذّ قضاء سعد و [ لا ] أُنَفّذ قضاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟! بل أرد قضاء سعد ابن
أم سعد ، وأنفذ قضاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فدعا سعد بكتاب القضية فشقه ، وقضى للمقضي عليه .
(1) قلت : بل هو مأجور ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إذا حكم الحاكم فاجتهد ، فأصاب ؛ فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ، فأخطأ ؛ فله أجر
واحد " . رواه الشيخان وغيرهما .
(2) نقله في التعليق على " إيقاظ الهمم " (ص 93) .
(3) الفلاني (ص 99) .
(1/34)
ترك الأَتْباع
بعضَ أقوالِ أئمتِهِم اتباعاً لِلسُّنَّةِ
ولذلك كله كان أتباع الأئمة { ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ }
(الواقعة : 13 - 14) لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها ؛ بل قد تركوا كثيراً منها لمَّا
ظهر لهم مخالفتها للسنة ، حتى إن الإمامين : محمد بن الحسن ، وأبا يوسف
رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب) (1) ، وكتب
الفروع كفيلة ببيان ذلك ، ونحو هذا يقال في الإمام المُزَّني (2) ، وغيره من أتباع
الشافعي وغيره ، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة ؛ لطال بنا الكلام ، ولخرجنا
به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز ؛ فلنقتصر على مثالين اثنين :
1- قال الإمام محمد في " موطئه " (3) (ص 158) :
" قال محمد : أما أبو حنيفة رحمه الله ؛ فكان لا يرى في الاستسقاء
__________
(1) ابن عابدين في " الحاشية " (1/62) ، وعزاه اللكنوي في " النافع الكبير" (ص 93)
للغزالي .
(2) وهو القائل في أول " مختصره في فقه الشافعي " المطبوع بهامش " الأم " للإمام ما
نصه :
" اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ، ومن معنى قوله ؛
لأُقربه على من أراده ، مع إعلامِه نهيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرهِ ؛ لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه
لنفسه " .
(3) وقد صرح فيه بمخالفة إمامه في نحو عشرين مسألة ، نشير إلى مواطنها منه : (42
و44 و103 و120 و158 و169 و172 و173 و228 و230 و240 و244 و274 و275 و284
و314 و331 و338 و355 و356) ؛ من " التعليق الممجد على موطأ محمد " .
(1/35)
صلاة ، وأما في
قولنا ؛ فان الإمام يصلي بالناس ركعتين ، ثم يدعو ، وُيحَوِّل
رداءه ... " إلخ .
2- وهذا عصام بن يوسف البَلْخي - من أصحاب الإمام محمد (1) ، ومن
الملازمين للإمام أبي يوسف (2) - " كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة
كثيراً ؛ لأنه لم يعلم الدليل ، وكان يظهر له دليل غيره ؛ فيفتي به " (3) ؛ ولذلك
" كان يرفع يديه عند الركوع ، والرفع منه " (4) ؛ كما هو في السنة المتواترة
__________
(1) ذكره فيهم ابن عابدين في " الحاشية " (1/74) ، وفي " رسم المفتي " (1/17) ،
وأورده القرشي في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " (ص 347) وقال :
" كان صاحب حديث ، ثبتاً ، وكان هو وأخوه إبراهيم شيخي بَلْخ في زمانهما " .
(2) " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " (ص 116) .
(3) " البحر الرائق " (6/93) ، و " رسم المفتي " (1/28) .
(4) " الفوائد " (ص 116) ثم علق عليه بقوله - وقد أجاد - :
" قلت : يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة - : " أن من رفع يديه في الصلاة فسدت
صلاته " - ، التي اغترَّ بها أمير كاتب الإتقاني - كما مر في ترجمته - ؛ فإن عصام بن يوسف كان من
ملازمي أبي يوسف ، وكان يرفع ، فلو كان لتلك الرواية أصل ؛ لعلم بها أبو يوسف وعصام " . قال :
" ويُعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامهِ لقوة دليل خلافه ؛ لا يخرج به
عن ربقة التقليد ، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد ، ألا ترى أن عصام بن يوسف ترك
مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ، ومع ذلك هو معدود في الحنفية ؟! " . قال :
" وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا ؛ حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة
واحدة ؛ لقوة دليلها ، ويخرجونه عن جماعة مقلديه !! ولا عجب منهم ؛ فإنهم من العوام ، إنما
العجب ممن يتشبه بالعلماء ، ويمشي مشيهم كالأنعام ! " .
(1/36)
عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها ، وذلك ما
يجب أن يكون عليه كل مسلم - بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم ؛ كما تقدم - .
وخلاصة القول : إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في
مشرب هذا الكتاب ، وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى
مخالفتها للمذهب ؛ بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب
العمل بالسنة ، وترك أقوالهم المخالفة لها ، وليعلم أن الطعن في هذا المشرب ؛
إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيّاً كان من الأئمة ، فإنما أخذنا هذا المنهج
منهم - كما سبق بيانه - ، فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل ؛ فهو
على خطر عظيم ؛ لأنه يستلزم الإعراض عن السنة ، وقد أُمرنا عند الاختلاف
بالرجوع إليها ، والاعتماد عليها ؛ كما قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (النساء : 65) .
أسال الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ
المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ .
وَمَن يُطَعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ } (النور : 51 - 52) .
دمشق /13 جمادى الآخرة سنة 1370 هـ
(1/37)
شبهات وجَوَابها
ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب ، وقد ظهر
لنا في هذه البرهة (*) أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن ؛
لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من
الإسلام : الكتاب والسنة ؛ فقد ازداد فيهم - والحمد لله - العاملون بالسنة ،
والمتعبدون بها ، حتى صاروا معروفين بذلك ؛ غير أني لمست من بعضهم توقُّفاً
عن الاندفاع إلى العمل بها ، لا شكّاً في وجوب ذلك - بعد ما سقنا من
الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها - ؛ ولكن لشبهات يسمعونها
من بعض المشايخ المقلدين ؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها ، والرد عليها ، لعل
ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها ؛ فيكون من
الفرقة الناجية بإذن الله تعالى .
1- قال بعضهم :
" لا شك
أن الرجوع إلى هدي نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شؤون ديننا أمر واجب ، لا سيما
فيما كان منها عبادة محضة ، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها ؛ لأنها توقيفية ؛
كالصلاة مثلاً ، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر بذلك ،
بل نجدهم يُقرُّون الاختلاف ، ويزعمون أنه توسعة على الأمة ، ويحتجون على
ذلك بحديث - طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادَّين به على أنصار السنة - :
" اختلاف أمتي رحمة " .
فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه ، وأَلّفْتَ كتابك
هذا وغيره عليه . فما قولك في هذا الحديث ؟ " .
__________
(*) أي بعد طباعة ونشر متن " صفة الصلاة " وتخريجه المختصر ، ومنه أضفنا هذا الفصل
المتمم للمقدمة .
(1/38)
والجواب من وجهين :
الأول : أن الحديث لا يصح ؛
بل هو باطل لا أصل له ؛ قال العلامة
السبكي :
" لم أقف له على سند صحيح ، ولا ضعيف ، ولا موضوع " .
قلت : وإنما روي بلفظ :
" ... اختلاف أصحابي لكم رحمة " . و :
" أصحابي كالنجوم ، فبأيهم اقتديتم ؛ اهتديتم " .
وكلاهما لا يصح : الأول : واه جدّاً . والآخر : موضوع . وقد حققت القول
في ذلك كله في " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (رقم 58 و 59 و 61) .
الثاني : أن الحديث - مع ضعفه - مخالف للقرآن الكريم ؛ فإن الآيات
الواردة فيه - في النهي عن الاختلاف في الدين ، والأمر بالاتفاق فيه - أشهر
من أن تذكر ، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال ؛ قال الله
تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال : 46) . وقال : { وَلَا
تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ } (الروم : 31 - 32) . وقال : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ }
(هود : 118 - 119) . فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون ، وإنما يختلف أهل
الباطل ؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة ؟!
فثبت أن هذا الحديث لا يصح ؛ لا سنداً ولا متناً (1) ، وحينئذٍ يتبين بوضوح
أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة ، الذي أمر به الأئمة .
__________
(1) ومن شاء البسط في ذلك ؛ فعليه بالمصدر السابق .
(1/39)
2- وقال آخرون :
" إذا كان الاختلاف في الدين
منهيّاً عنه ؛ فماذا تقولون في اختلاف
الصحابة ، والأئمة من بعدهم ؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم ، واختلاف
غيرهم من المتأخرين ؟ " .
فالجواب : نعم ؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين ، ويظهر ذلك في شيئين :
الأول : سببه .
والآخر : أثره .
فأما
اختلاف الصحابة ؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في
الفهم ؛ لا اختياراً منهم للخلاف ، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في
زمنهم ، استلزمت اختلافهم ، ثم زالت من بعدهم (1) ، ومثل هذا الاختلاف لا
يمكن الخلاص منه كليّاً ، ولا يلحق أهلَه الذمُّ الواردُ في الآيات السابقة ، وما
في معناها ؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة ، وهو القصد ، أو الإصرار عليه .
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة ؛ فلا عذر لهم فيه غالباً ؛ فإن بعضهم قد
تتبين له الحجة من الكتاب والسنة ، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب
به عادة ، فيدعها لا لشيء ؛ إلا لأنها خلاف مذهبه ، فكأن المذهب عنده هو
الأصل ، أو هو الدين الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ !
وآخرون منهم على النقيض من ذلك ؛ فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما
بينها من اختلاف واسع - كشرائع متعددة ؛ كما صرح بذلك بعض
__________
(1) راجع " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم ، و " حجة الله البالغة " للدهلوي ، أو
رسالته الخاصة بهذا البحث " عِقد الجِيد في أحكام الاجتهاد والتقليد " .
(1/40)
متأخريهم (1) :
" لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء ، ويدع ما شاء ، إذ الكل
شرع " !
وقد يحتج هؤلاء ، وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل :
" اختلافُ أمتي رحمة " . وكثيراً ما سمعناهم يستدلون به على ذلك !
ويعلل بعضهم هذا الحديث ، ويوجهونه بقولهم :
" إن الاختلاف إنما كان رحمة ؛ لأن فيه توسعة على الأمة " !
ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة ، وفحوى كلمات
الأئمة السابقة ؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده ، قال ابن القاسم :
" سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
ليس كما قال ناس : " فيه توسعة " ؛ ليس كذلك ، إنما هو خطأ وصواب " (2) .
وقال أشهب :
" سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛
أتراه من ذلك في سعة ؟ فقال :
لا والله ! حتى يصيب الحق ، ما الحق إلا واحد ، قولان مختلفان يكونان
صواباً جميعاً ؟! ما الحق والصواب إلا واحد " (3) .
__________
(1) انظر : " فيض القدير " للمناوي (1/209) ، أو " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (1/76 و 77) .
(2) ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (2/81 و 82) .
(3) المصدر السابق (2/82 و 88 و 89) .
(1/41)
وقال المُزني
صاحب الإمام الشافعي :
" وقد اختلف أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فخطَّأ بعضهم بعضاً ، ونظر بعضهم
في أقاويل بعض وتعقَّبها ، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم ؛ لما فعلوا ذلك ،
وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة
في الثوب الواحد ؛ إذ قال أُبي :
إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل . وقال ابن مسعود :
إنما كان ذلك والثياب قليلة . فخرج عمر مغضباً ، فقال :
اختلف رجلان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن ينظر إليه ، ويؤخذ عنه !
وقد صدق أُبَيّ ، ولم يَأْلُ ابن مسْعود ، ولكني لا أسمع أحداً يختلف فيه بعد
مقامي هذا ؛ إلا فعلت به كذا وكذا " (1) .
وقال الإمام المُزَني أيضاً :
" يقال لمن جوَّز الاختلاف ، وزعم أن العالِمَيْن إذا اجتهدا في الحادثة ؛ فقال
أحدهما : حلال . والآخر : حرام . أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق :
أَبِأَصْلٍ قلتَ هذا ، أم بقياس ؟ فإن قال : بأصل . قيل له :
كيف يكون أصلاً ، والكتاب ينفي الاختلاف ؟! وإن قلت : بقياس . قيل :
كيف تكون الأصول تنفي الخلاف ، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز
الخلاف ؟! هذا ما لا يجوّزه عاقل ؛ فضلاً عن عالم " (2) .
فإن قال قائل : يخالف ما ذكرتَه عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد
__________
(1) المصدر السابق (2/83 - 84) .
(2) المصدر نفسه (2/89) .
(1/42)
ما جاء في كتاب
" المدخل الفقهي " للأستاذ الزرقا (1/89) :
" ولقد هم أبو جعفر المنصور ، ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك
وكتابه " الموطأ " قانوناً قضائيّاً للدولة العباسية ، فنهاهما مالك عن ذلك وقال :
إن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكل
مصيب " .
وأقول : إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك رحمه الله ، لكن
قوله في آخرها :
" وكل مصيب " . مما لا أعلم له أصلاً في شيء من الروايات ، والمصادر
التي وقفت عليها (1) ، اللهم ! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نُعيم في " الحلية "
(6/332) بإسناد فيه المقدام بن داود ، وهو : ممن أوردهم الذهبي في " الضعفاء " ،
ومع ذلك فإن لفظها :
" وكلّ عند نفسه مصيب " . فقوله :
" عند نفسه " . يدل على أن رواية " المدخل " مدخولة ، وكيف لا تكون
كذلك ؛ وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ؛
كما سبق بيانه ؟! وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة ، والتابعين ، والأئمة
الأربعة المجتهدين وغيرهم .
قال ابن عبد البر (2/88) :
" ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ؛ ما خطَّأ السلف بعضهم بعضاً
في اجتهادهم ، وقضائهم ، وفتواهم ، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً
__________
(1) راجع " الانتقاء " لابن عبد البر (41) ، و " كشف المغطا في فضل الموطا " (ص 6 - 7)
للحافظ ابن عساكر ، و " تذكرة الحفاظ " للذهبي (1/195) .
(1/43)
كله ، ولقد أحسن
من قال :
إثبات ضدين معاً في حال ... أقبح ما يأتي من المحال " .
فإن قيل : إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام ؛ فلماذا أبى الإمام على
المنصور أن يجمع الناس على كتابه " الموطأ " ، ولم يُجِبهُ إلى ذلك ؟
فأقول : أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في
" شرح اختصار علوم الحديث " (ص 31) ، وهو أن الإمام مالكاً قال :
" إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها " .
وذلك من تمام علمه وإنصافه ؛ كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى .
فثبت أن الخلاف شرٌّ كلُّه ، وليس رحمة ، ولكن منه ما يؤاخذ عليه
الإنسان ؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب ، ومنه ما لا يؤاخذ عليه ؛ كخلاف
الصحابة ومن تابعهم من الأئمة ؛ حشرنا الله في زمرتهم ووفقنا لاتباعهم .
فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة .
وخلاصته :
إن الصحابة اختلفوا اضطراراً ، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف ، ويفرون
منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً .
وأما المقلدة - فمع إمكانهم الخلاص منه ، ولو في قسم كبير منه - ؛ فلا
يتفقون ، ولا يسعون إليه ؛ بل يقرونه ، فشتان إذن بين الاختلافين .
ذلك هو الفرق من جهة السبب .
وأما الفرق من جهة الأثر ؛ فهو أوضح ؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم
- مع اختلافهم المعروف في الفروع - كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر
(1/44)
الوحدة ، بعيدين
كل البعد عما يفرق الكلمة ، ويصدع الصفوف ؛ فقد كان
فيهم - مثلاً - من يرى مشروعية الجهر بالبسملة ، ومن يرى عدم مشروعيته ،
وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين ، ومن لا يراه ، وفيهم من يرى نقض
الوضوء بمس المرأة ، ومن لا يراه ؛ ومع ذلك ؛ فقد كانوا يصلون جميعاً وراء إمام
واحد ، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ مذهبي .
وأما المقلدون ؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تماماً ؛ فقد كان من آثاره
أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين ؛ ألا وهو الصلاة ، فهم يأبون
أن يصلوا جميعاً وراء إمام واحد ؛ بحجة أن صلاة الإمام باطلة ، أو مكروهة
على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه ، وقد سمعنا ذلك ، ورأيناه كما
رآه غيرنا (1) ، كيف لا ؛ وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على
الكراهة ، أو البطلان ؟! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد
الجامع ، يصلي فيها أئمةٌ أربعةٌ متعاقبين ، وتجد أناساً ينتظرون إمامهم بينما
الإمام الآخر قائم يصلي !
بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين ؛ مثاله منع
التزاوج بين الحنفي والشافعية ، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية
- وهو الملقب بـ : (مفتي الثقلين) - ؛ فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية ، وعلل ذلك بقوله :
" تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب " (2) ! ومفهوم ذلك - ومفاهيم الكتب معتبرة
عندهم - أنه لا يجوز العكس ، وهو تزوج الشافعي بالحنفية ؛ كما لا يجوز تزوج
الكتابي بالمسلمة !!
__________
(1) راجع (الفصل الثامن) من كتاب " ما لا يجوز فيه الخلاف " (ص 65 - 72) ؛ تجد
أمثلة عديدة مما أشرنا إليه ؛ وقعت بعضها من بعض علماء الأزهر !
(2) " البحر الرائق " .
(1/45)
هذان مثالان من
أمثلة كثيرة ، توضح للعاقل الأثر السيِّئ الذي كان نتيجة
اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه ؛ بخلاف السلف ، فلم يكن له أي أثر سيِّئ
في الأمة ؛ ولذلك فَهُمْ في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في
الدين ؛ بخلاف المتأخرين . هدانا الله جميعاً إلى صراطه المستقيم .
وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم ، ولم يتعده إلى
غيرهم من أمة الدعوة ، إذن ؛ لهان الخطب بعض الشيء ، ولكنه - ويا للأسف ! -
تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار ، فصدوهم بسبب
اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجاً ! جاء في كتاب " ظلام من الغرب "
للأستاذ الفاضل محمد الغزالي (ص 200) ما نصه :
" حدث في المؤتمر الذي عقد في جامعة " برينستون " بأمريكا أن أثار أحد
المتحدثين سؤالاً - كثيراً ما يثار في أوساط المستشرقين ، والمهتمين بالنواحي
الإسلامية - ؛ قال :
بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم ؛ ليحددوا الإسلام الذي يدعون
إليه ؟
أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون ؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة
من إمامية ، أو زيدية ؟
ثم إن كلاً من هؤلاء وأولئك مختلفون فيما بينهم .
وقد يفكر فريق منهم في مسألة ما تفكيراً تقدمياً محدوداً ، بينما يفكر
آخرون تفكيراً قديماً متزمتاً .
والخلاصة ؛ أن الداعين إلى الإسلام يتركون المدعوين إليه في حيرة ؛
(1/46)
لأنهم هم أنفسهم
في حيرة " (1) .
وفي مقدمة رسالة " هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان " للعلامة
محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى :
" إنه كان ورد عليّ سؤال من مسلمي بلاد جابان - يعني : اليابان - من
بلدة (طوكيو) و (أوصاكا) في الشرق الأقصى ، حاصله :
__________
(1) وأقول الآن :
لقد كشفت كتابات الغزالي الكثيرة في أيامه الأخيرة - مثل كتابه الذي صدر أخيراً
بعنوان : " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " - أنه هو نفسه من أولئك الدعاة الذين
" هم أنفسهم في حيرة " ! ولقد كنا نلمس منه قبل ذلك من بعض أحاديثه ومناقشاتنا له
في بعض المسائل الفقهية ومن بعض كتاباته في بعض مؤلفاته ما ينم عن مثل هذه
الحيرة ، وعن انحرافه عن السنة ، وتحكيمه لعقله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؛ فهو في
ذلك لا يرجع إلى علم الحديث وقواعده ، ولا إلى العارفين به ، والمتخصصين فيه ؛ بل ما
أعجبه منه ؛ صححه ، ولو كان ضعيفاً ! وما لم يعجبه منه ؛ ضعفه ، ولو كان صحيحاً متفقاً
عليه ! ...
وقد قام كثير من أهل العلم والفضل جزاهم الله خيراً بالرد عليه ، وفصلوا القول في حيرته
وانحرافه . ومن أحسن ما وقفت عليه رد صاحبنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في مجلة
(المجاهد) الأفغانية (العدد 9 - 11) ، ورسالة الأخ الفاضل صالح بن عبد العزيز بن محمد آل
الشيخ ، المسمى : " المعيار لعلم الغزالي " (*) .
__________
(*) انظر التعليق كاملاً في " صفة الصلاة " (طبعة المعارف /ص 66 - 68) ، وراجع إن شئت
" السلسلة الصحيحة " (7/833) .
(1/47)
ما حقيقة دين
الإسلام ؟ ثم ما معنى المذهب ؟ وهل يلزم من تشرف بدين
الإسلام أن يتمذهب على أحد المذاهب الأربعة ؟ أي : أن يكون مالكيّاً ، أو
حنفيّاً ، أو شافعيّاً ، أو غيرها ، أو لا يلزم ؟
لأنه قد وقع هنا اختلاف عظيم ، ونزاع وخيم ؛ حينما أراد عدة أنفار من متنوري
الأفكار من رجال (يابونيا) أن يدخلوا في دين الإسلام ، ويتشرفوا بشرف الإيمان ،
فعرضوا ذلك على جمعية المسلمين الكائنة في (طوكيو) . فقال جمع من أهل الهند :
ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة ؛ لأنه سراج الأمة .
وقال جمع من أهل أندونيسيا (جاوا) :
يلزم أن يكون شافعيّاً ! فلما سمع الجابانيون كلامهم ؛ تعجبوا جدّاً ،
وتحيروا فيما قصدوا ، وصارت مسألة المذاهب سدّاً في سبيل إسلامهم ! " .
3- ويزعم آخرون أن معنى هذا الذي تدعون إليه من الاتباع للسنة ، وعدم
الأخذ بأقوال الأئمة المخالفة لها ؛ ترك الأخذ بأقوالهم مطلقاً ، والاستفادة من
اجتهاداتهم وآرائهم .
فأقول : إن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الصواب ؛ بل هو باطل ظاهر
البطلان ، كما يبدو ذلك جليّاً من الكلمات السابقة ؛ فإنها كلها تدل على
خلافه ، وأن كل الذي ندعو إليه إنما هو ترك اتخاذ المذاهب ديناً ، ونصبها مكان
الكتاب والسنة ؛ بحيث يكون الرجوع إليها عند التنازع ، أو عند إرادة استنباط
أحكام جديدة لحوادث طارئة ؛ كما يفعل متفقهة هذا الزمان ، وعليه وضعوا
الأحكام الجديدة للأحوال الشخصية ، والنكاح والطلاق ، وغيرها ؛ دون أن
يرجعوا فيها إلى الكتاب والسنة ، ليعرفوا الصواب منها من الخطأ ، والحق من
الباطل ، وإنما على طريقة : " اختلافهم رحمة " ! وتتبع الرخص ، والتيسير ، أو
(1/48)
المصلحة - زعموا
- ، وما أحسن قول سليمان التيمي رحمه الله تعالى :
" إن أخذتَ برخصة كل عالم ؛ اجتمع فيك الشر كله " .
رواه ابن عبد البر (2/91 - 92) ، وقال عقبه :
" هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً " .
فهذا الذي ننكره ، وهو وفق الإجماع - كما ترى - .
وأما الرجوع إلى أقوالهم ، والاستفادة منها ، والاستعانة بها على تفهم
وجه الحق فيما اختلفوا فيه ، مما ليس عليه نص في الكتاب والسنة ، أو ما كان
منها بحاجة إلى توضيح ؛ فأمر لا ننكره ، بل نأمر به ، ونحض عليه ؛ لأن
الفائدة منه مرجوة لمن سلك سبيل الاهتداء بالكتاب والسنة .
قال العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى (2/172) :
" فعليك يا أخي ! بحفظ الأصول والعناية بها ، واعلم أن من عني بحفظ
السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ، ونظر في أقاويل الفقهاء - فجعله عوناً
له على اجتهاده ، ومفتاحاً لطرائق النظر ، وتفسيراً لجمل السنن المحتملة
للمعاني - ، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن ، التي يجب الانقياد إليها على
كل حال دون نظر ، ولم يُرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن
وتدبُّرِها ، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر ، وشكر لهم سعيهم فيما
أفادوه ونبهوا عليه ، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ، ولم يبرئهم
من الزلل ؛ كما لم يبرئوا أنفسهم منه ؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه
السلف الصالح ، وهو المصيب لحظه ، والمعاين لرشده ، والمتبع لسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وهدي صحابته رضي الله عنهم .
ومن أعَفَّ نفسه من النظر ، وأضرب عما ذكرنا ، وعارض السنن برأيه ،
(1/49)
ورام أن يردها
إلى مبلغ نظره ؛ فهو ضال مضل ، ومن جهل ذلك كله أيضاً ،
وتقحم في الفتوى بلا علم ؛ فهو أشد عمى ، وأضل سبيلاً " .
فهذا الحق ليس به خفاءُ ... فدعني عن بُنَيّات الطريقِ
4- ثم إن هناك وهماً شائعاً عند بعض المقلدين ، يصدهم عن اتباع السنة ،
التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها ، وهر ظنهم أن اتباع السنة يستلزم
تخطئة صاحب المذهب ، والتخطئة معناها عندهم : الطعن في الإمام ، ولما كان
الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز ؛ فكيف في إمام من أئمتهم ؟!
والجواب : أن هذا المعنى باطل ؛ وسببه الانصراف عن التفقه في السنة ،
وإلا ؛ فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل ؟! ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو القائل :
" إذا حكم الحاكم ، فاجتهد ، فأصاب ؛ فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ،
فأخطأ ؛ فله أجر واحد " (1) .
فهذا الحديث يرد ذلك المعنى ، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول
القائل : (أخطأ فلان) معناه في الشرع : (أثيب فلان أجراً واحداً) ، فإذا كان
مأجوراً في رأي من خطأه ؛ فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه ؟! لا شك
أن هذا التوهم أمر باطل ، يجب على كل من قام به أن يرجع عنه ، وإلا ؛ فهو
الذي يطعن في المسلمين ، وليس في فرد عادي منهم ، بل في كبار أئمتهم ؛
من الصحابة ، والتابعين ، ومَن بعدهم مِن الأئمة المجتهدين وغيرهم ، فإننا
نعلم يقيناً أن هؤلاء الأجلَّة كان يخَطِّئ بعضهم بعضاً ، ويرد بعضهم على
بعض (2) ، أفيقول عاقل : إن بعضهم كان يطعن في بعض . بل لقد صح أن
__________
(1) [ رواه ] البخاري ، ومسلم .
(2) انظر كلام الإمام المزني المتقدم آنفاً (ص 42) ، وكلام الحافظ ابن رجب المتقدم
(ص 33 - 34) .
(1/50)
رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطَّأ أبا بكر رضي الله عنه في تأويله لرؤيا كان رآها رجل ،
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له :
" أصبت بعضاً ، وأخطأت بعضاً " (1) . فهل طعن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي بكر بهذه الكلمة ؟!
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه ؛ أنه يصدهم عن اتباع السنة
المخالفة لمذهبهم ؛ لأن اتباعهم إياها معناه عندهم : الطعن في الإمام ، وأما
اتباعهم إياه - ولو في خلاف السنة - فمعناه احترامه : وتعظيمه ! ولذلك فهم
يصرون على تقليده ؛ فراراً من الطعن الموهوم .
ولقد نسي هؤلاء - ولا أقول : تناسوا - أنهم بسبب هذا الوهم ؛ وقعوا فيما
هو شر مما منه فروا ، فإنه لو قال لهم قائل : إذا كان الاتباع يدل على احترام
المتبوع ، ومخالفته تدل على الطعن فيه ؛ فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة ، وهو غير
معصوم ، والطعن فيه ليس كفراً ؟! فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعناً
فيه ؛ فمخالفته الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أظهر في كونها طعناً فيه ؛ بل ذلك هو الكفر بعينه
- والعياذ بالله منه - . لو قال لهم ذلك قائل ؛ لم يستطيعوا عليه جواباً ؛ اللهم !
إلا كلمة واحدة - طالما سمعناها من بعضهم - وهي قولهم : إنما تركنا السنة ؛
ثقةً منا بإمام المذهب ، وأنه أعلم بالسنة منا .
وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة ؛
ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها ، وهو جواب فاصل بإذن الله ، فأقول :
ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة ؛ بل هناك عشرات ؛ بل
مئات الأئمة هم أعلم أيضاً منكم بالسنة ، فإذا جاءت السنة الصحيحة على
__________
(1) [ رواه ] البخاري ، ومسلم . وراجع سببه ، وتخريجه في " الأحاديث الصحيحة " (121) .
(1/51)
خلاف مذهبكم - وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة - ؛ فالأخذ بها
- والحالة هذه - حتم لازم عندكم ؛ لأن كلمتكم المذكورة لا تَنْفُق هنا ، فإن
مخالفكم سيقول لكم معارضاً : إنما أخذنا بهذه السنة ؛ ثقة منا بالإمام الذي
أخذ بها ؛ فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها . وهذا بيِّن لا يخفى على
أحد إن شاء الله تعالى .
ولذلك ؛ فإني أستطيع أن أقول :
إن كتابنا هذا لمَّا جمع السنن الثابتة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفة صلاته ؛ فلا عذر
لأحد في ترك العمل بها ؛ لأنه ليس فيه ما اتفق العلماء على تركه - حاشاهم
من ذلك - ؛ بل ما من مسألة وردت فيه ؛ إلا وقد قال بها طائفة منهم ، ومن
لم يقل بها ؛ فهو معذور ، ومأجور أجراً واحداً ؛ لأنه لم يرد إليه النص بها
إطلاقاً ، أو ورد لكن بطريق لا تقوم عنده به الحجة ، أو لغير ذلك من الأعذار
المعروفة لدى العلماء .
وأما من ثبت النص عنده من بعده ؛ فلا عذر له في تقليده ؛ بل الواجب
اتباع النص المعصوم ، وذلك هو المقصود من هذه المقدمة ، والله عزَّ وجلَّ يقول :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال : 24) .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل ، وهو نعم المولى ونعم النصير . وصلى
الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
محمد ناصر الدين
الألباني
دمشق 5/20/1381 هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كلمتي الى الزوار
اضع بين ايديكم اليوم وامام اعينكم موقعي المتواضع،وارجو الله ان يؤتي اكله وان يخلصه لصاحبه وان يسوقه لاهله الذين ان وجدوا خيرا عملوا به وبالاجر لنا دعوا ، وان وجدوا خللا اصلحوا ونصحوا ودفنوا كما اساله ان يصلح به المتربصين الذين ان راوا هفوة صرخوا وهتفوا كشيطان العقبة ، وطاروا بها وفرحوا وجاشوا واستجاشوا
كحمار السوء ان اشبعته ** رمح الناس وان جاع نهق
فاذا حملت الى سفيه حكمة ** فلقد حملت بضاعة لا تنفق
ومن منح الجهال علما اضاعه ** ومن منع المستوجبين فقد ظلم
لكن لاضير
وما على العنبر الفواح من حرج ** ان مات من شمه الزبال والجعل
اسال الله ان يجعل هذا الموقع من صالحات الاعمال وخالصات الاثار وباقيات الحسنات الى اخر الاعمار، وعلى الله وحده اعتمادي واليه وجهتي واستنادي،الصواب منه والخطا من نفسي وتقصيري والخير واردت والى الله انبت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب
على المرء ان يسعى الى الخير جاهدا ** وليس عليه ان تتم المقاصد
لقد سعيت قدر استطاعتي ان اخطو بهذا الموقع مترقيا جاعلا القران و السنة دليلي ومنهاجي
كن في امورك كلها متمسكا ** بالوحي لا بزخارف الهذيان
وتدبر القران ان رمت الهدى ** فالعلم تحت تدبر القران
هكذا علمتني الحياة في ظل العقيدة الاسلامية
لن تهتدي امة في غير منهجه ** مهما ارتضت من بديع الراي والنظم
من قلد الاراء ضل عن الهدى ** ومن قلد المعصوم في الدين يهتدي
هذا وقد ضاقت نفوسنا ذرعا واشمازت من مواقع لا اصل لها ولا هدف سوى نشر الرذيلة وقتل الفضيلة،انتشرت انتشار الجراد المنتشر وقد استقطبت جما غفيرا من الذين في قلوبهم مرض من الغافلين والامعة والمائلين مع كل ريح ،فسقطت الخيل تباعا، فبتنا نبكي على الذين باعوا انفسهم بثمن بخس واكثرنا من الحوقلة والترجيع ورددنا مرارا وتكرارا اللهم ان هذا منكر وبينما نحن على هذه الحال ، كان المنافقون يرقصون طربا وفرحا لما اصابنا، وفي الجانب الاخر عند الكفار والذين اشركوا كان لسان الحال والمقال يقول
مصائب قوم عند قوم فوائد
فهذا هو جيل الامة الاسلامية اضاع وقته وماله على مواقع ساقطة حفت بالشهوات من موسيقى مائعة وافلام اباحية ماجنة واخرون كثيرون على مواقع الدردشة التشات ينثرون احلاما خرافية وكلاما معسولا وقصصا غرامية نسجوها نسج بيت العنكبوت وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت،جل كلامهم عن الحب والغرام والهيام والافلام والمسلسلات والفنانين والفنانات واللاعبين واللاعبات،او كلام الخنا وتنابز بالالقاب وسب وشتم وجدال لايقوم على اساس،ويسخر هذا من ذاك، وتقدف هذه في عرض تلك...كلام كثير لارصيد له من واقع،اتراهم لايقراون القران ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ،لذا اخي اختي قل خيرا او اصمت
الصمت في غير فكرة سهو ** والقول في غير حكمة لغو
انشغالات كثير من شبابنا بسيطة وهمهمهم ضعيفة، وكانهم خلقوا لياكلوا ويشربوا ويلعبوا...مهرجانات،سهرات،حفلات،مخيمات مختلطة،بارات وعلب ليلية...اوبقوا انفسهم وضيعوا اموالهم واوقاتهم والوقت حياة كما هو معلوم،وانهم لمسؤولون
فوااسفاه على جيل لايعلم هدفه وغايته،فكم من تلاميذ الاعدادية والثانوية وطلبة الجامعة...يدخنون ويسكرون ويزنون،وهاهي ذي الشيشة قد حلت بالديار فابصر كم من الشباب ينحرفون،كيف لا وقد جعلوا قدوتهم في اوركسترات شعبية ساقطة وفيديوكليبات شرقية عارية عفنة وفي اشتراكيين وليبراليين واخرين من شكلهم ازاوج،وقد قال لهم رب العزة:لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة.وابصر يمنة ويسرة تجد فتيات كاسيات عاريات بينهن وبين العفة والحياء امد بعيد،تجد كل واحدة منهن مع صديقها يتوارون من القوم ويستخفون عن اعين الناس في كل ناحية وزاوية،لكن الله بصير بما يعملون.نعم وقد قالها المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ اكثر من 14 قرنا:كيف بكم اذا طغى شبابكم وفسدت فتياتكم؟قالوا :اوكائن ذالك يا رسول الله؟قال :نعم واشد من ذالك سيكون
وكان
يحدث هذا في عصر عرف تحريرا للقطاع الاعلامي خاصة السمعي البصري منه في اقطار اسلامية كثيرة قائلين بحرية التعبير والفن والابداع وهكذا فتحو باب الشر على مصراعيه فكثرت الشبهات وتتابعت الشهوات بعد ان انتشرت الفضائيات الماجنة والاذاعات الهابطة في كل مدينة وقرية وغزت المواقع الاباحية كل عمارة وشقة ونادى الذين يسعون ليهلكوا الحرث والنسل ان هلموا الى العصيان وذروا ما في السنة والقران في محل النسيان ،ففتنوا الناس باغاني وافلام ومسرحيات وقصص واحلام...ميوعة ومجون ،فتور وفجور...فلما هب المؤمنون حقا الى اخراج فضائيات واذاعات ملتزمة بما في الكتاب والسنة دفعا لهذه الفتنة ودعوة الى الكتاب والسنة بالحكمة ،مكر بهم اعداء الاسلام مكر السوء وادخلوهم في طابوهات ومتاهات بيروقراطية وحيص بيص اداري يلمح ويصرح ولسان حاله
عدوا المكارم والعفاف تاخرا ** وخساسة الانذال وضعا جيدا
فكان ما امله اولئك المنافقون اذ بقيت تلكم الفضائيات والاذاعات الاسلامية مجرد حبر على ورق ،فعلاها الغبار مع تطاول الايام ،وبالمقابل وعلى سبيل المصانعة ، خولوا لاذاعات قالوا عنها اسلامية حق البث ، وما هي الا عجينتهم يلبسون الحق بالباطل وزينوه وحلوه ذيباجا وخزا حتى ان رايته ولو بعين زرقاء اليمامة ظننته حقا ،وما هو الا باطل والباطل لايغني من الحق شيئا ،فضائيات واذاعات شكلها اسلامي ومضمونها علماني لائكي وما يدريك بمكرهم لكن الله من ورائهم محيط
فيا بنت الاسلام ويا بن الاسلام كن احزم من قرلى ان راى خيرا تدلى وان راى شرا تولى
ومازلت اذكر كل حين الذين ينفخون السيلسيون وانهم والله حين ينفخون وكانهم يقولون لنا ان يوم النفخ في الصور قريب
فاه من الكلمات حين اسوقها ** سوقا فتنكرني الحروف وتحجم
هذه اشارات وافادات اطرق بها قلوب واذان واعين الذين هم عن ايات الله غافلون قائلا وما ربك بغافل عما تعملون.واقع مرير خطير دفعني بشدة الى ان ازيد من همتي وعزيمتي بغية محاربة الفساد والمفسدين من اباحيين وماديين وعلمانيين وكفرة ومشركين يسعون جاهدين ليطفئوا نور الله بافواههم،وانى لهم ذالك وقد كتبها الله في كتابه:كتب الله لاغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز.اني لست ديماغوجيا شعبويا اصف الواقع بالكارثي لاجلب سخط العامة على الدولة بل ان الواقع كارثي فعلا دون مبالغة،ولاينكر ذلك الا من سفه نفسه.رايت ان الشباب المنحرفين التافهين يلقون الدعم والمساندة ماديا ومعنويا وتخول لهم حرية التعبير على الاذاعات والشاشات والشبكات والجرائد والمجلات من ابناء الكاستينغ ستار وستار اكاديمي وستوديو دوزيم وابناء الحداثة والعلمانية ،اما ابناء الصحوة الاسلامية فمضطهدون مقهورون ينعثون بالوهابيين والاخوانيين والسلفيين والجهاديين والراديكاليين والاصوليين والانتحاريين والظلاميين والارهابيين وهلم جرا ...وان هي الا اسماء سميتموها لحاجة في نفس شيخ النار
مع هذا كله اقول
خلق الله للحروب رجالا ** ورجالا لقصعة وثريد
فيا ايها الجيل امرت بذا : ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون لذا نويت صادقا ان اعمل بجد و ان اشق طريقا عسيرا طويلا محفوفا بالمكاره انه طريق تعبيد النفس والناس لله رب العالمين و اخراجهم من الظلمات الى النور ، وما زلت اسف على ايام مضت و استغفر الله واتوب اليه عسى ان يغفر لنا انه هو التواب الرحيم وادعوه : اللهم انك حيي ستير تحب الستر فاسترني في الدنيا والاخرة
ورجائي الا يكون كل ما كتبته مجرد صيحة في واد، ولست ازعم اني اوفيت على الغاية في الافادة ،فماهذا الموقع الا لبنة على طريق عسير غير يسير وما اراني بعد قد شفيت غلة النفس فانها تنتظر الى كثير وكثير رغم ما اعانيه واقاسيه ماديا وصحيا والله وحده هو المطلع علي واليه اشكو بثي وحزني،واني والله لأشكر بعض الاصدقاء الذين لاينفكون يعينوننا على الخير ويحذروننا من ان نركن الى الغافلين او نخلذ صاغرين.في حين همج رعاع كثيرون مني يسخرون وبي يستهزءون وهمهم ان يزحزحوني عن طريق الهداية الى الغواية ووالله ان الذي يريدني على غير طريق استقامتي والتزامي ان هو الا كالقائل لشجرة التفاح
اثمري غير التفاح ! فهيهات لابراح
وارد بقول الشافعي رحم الله
لان كنت قد ضيعت في شر بلدة ** فلست مضيعا بينهم غررالكلم
فان فرج الله الكريم بلطفه ** وادركت اهلا للعلوم والحكم
بثتت مفيدا واستفدت ودادهم ** والا فمخزون لدي ومكتتم
الهي ارحم عبدك الذليل ذا اللسان الكليل والعمل القليل وامنن عليه في عمله بالتاثير والقبول واكنفه تحت ظلك الظليل يا كريم يا جليل..فالطريق شاق طويل والزاد قليل والامل والرجاء فيك يا جليل
رباه رباه
يظن الناس بي خيرا واني ** لشر الناس ان لم تعفو عني
ومالي حيلة الا رجائي ** وعفوك ان عفوت وحسن ظني
اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ولاتؤاخذني بما يقولون واغفر لي مالا يعلمون
والله لو علموا قبيح سريرتي ** لابى السلام علي من يلقاني
ولاعرضوا عني وملوا صحبتي** ولبؤت بعد كرامة بهواني
لكن سترت معايبي ومثالبي **وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها ** بخواطري وجوانحي ولساني
فلنبدأ المسير الى الله ايها الجيل على هذه السبيل
قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين
كتبه كمال يوم 06 رمضان1427
| Février 2012 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||||||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | ||||
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | ||||
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | ||||
| 27 | 28 | 29 | ||||||||
|
||||||||||
Derniers Commentaires